حيدر حب الله
116
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إلا أنّ هذا الكلام غير واضح ؛ فالقرآن لم يوضح لنا المنطلق في اعتقادهم أنّه لا رجاء من وراء الوعظ ، فلعلّه كان من حيث إنّهم رأوا الفرقة الواعظة قد فشلت معهم ، فأرادوا إقناعها بالتوقف عن الاستمرار في الوعظ ، ولعلّه كانت لديهم منطلقات أخرى ، ففرض منطلق لا تحكي عنه الآيات لا يمكن التأكّد منه هنا ، وحتى لو سلّمنا بذلك فهذا لا ينفي أنّ الأمر والنهي كانا المنطلق في النجاة من العذاب ، وهذا ما نريده من الآيات هنا ، وهو الذي يفسّر إشارة القرآن وتوصيفه للفرقة الناجية بأنّها الناهية عن السوء ، فما نريده من الآيات ليس بحثاً تاريخياً ، وإنّما التأكيد على تأثير الأمر والنهي في النجاة من العقوبات النازلة بالناس في الدنيا أولًا ، والتأكيد ثانياً - كما سوف نرى - على أنّ شرط احتمال التأثير ليس مأخوذاً إلا بمقدار أصل الاحتمال ، لا الاحتمال المعتدّ به ، خلافاً لما قد يلوح من كلمات بعض الفقهاء . والروايات التفسيرية الواردة فيما يخصّ هذه القصّة ، بعضها يدلّ هنا - كما في الرواية الواردة في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عن علي بن الحسين « 1 » - على أنّ الموجودة فرقتان فقط وهما : الواعظة والعاصية الصائدة ، وأن الحوار جرى بينهما ، وهذا التفسير - فضلًا عن ضعف الرواية سنداً لعدم صحّة نسبة هذا التفسير للإمام عليه السلام - مخالفٌ لظاهر الآيات التي يبدو منها أنّ المستنكر للوعظ كان يعتقد نزول العذاب على هذه الأمة ، علماً أن ردّ الفرقة الواعظة كان على شكلين : « إلى ربكم » « ولعلّهم » ؛ فجعل المعذرة إلى الربّ مضيفاً إياه للفرقة المعترضة ، وربط احتمال التقوى بالغائب في إشارة إلى أهل القرية ، وهذا يتناسب مع أنّ المعترضة كانوا غير عاصين بالصيد ، والوجه فيه أنه لو كانوا منهم لقال : ولعلّكم تتقون ، وأما الوجه في إضافة الربّ إلى المخاطبين ، فهذا مفهوم جداً على التقدير الذي قلناه ،
--> ( 1 ) تفسير الإمام العسكري : 268 - 270 .